قسنطينة: عاصمة المقروض
اسألوا أي جزائري من أين يأتي أفضل مقروض، وستكون الإجابة بالإجماع: قسنطينة. مدينة الجسور المعلّقة هي أيضاً المدينة التي ارتقى فيها المقروض إلى مرتبة الفن الطهوي، بحرفيين تمارس بعض عائلاتهم هذه المهنة منذ أكثر من قرن.
يتميّز مقروض قسنطينة بدقّته. طبقة السميد أرقّ من غيرها، وحشوة التمر أكثر سخاءً، والتغليف بالشراب أكثر إتقاناً — لا مُشبع أكثر من اللازم ولا جاف، بل بذلك التوازن المثالي حيث يتكسّر السطح مُطلقاً حلاوة ذائبة من الداخل.
هذه السمعة ليست صدفة. كانت قسنطينة دائماً ملتقى تجارياً تلتقي فيه أجود تمور الجنوب الجزائري (خاصة دقلة نور من بسكرة وطولقة) مع سميد القمح الصلب من الهضاب العليا. هذا التلاقي بين مكونات استثنائية هو ما أتاح تطوير مقروض لا مثيل له.
الغرس: عجينة التمر التي تصنع الفارق
الغرس (عجينة التمر) هو الحشوة التي تمنح المقروض روحه. ليس مجرد تمر مهروس — إنه منتج محوَّل يتطلب مهارة دقيقة.
يبدأ حرفيو قسنطينة باختيار تمور دقلة نور ناضجة جداً، تُسمّى «غرس» تحديداً لأنها بلغت مرحلة نضج تركّز فيها السكر وأصبح القوام شبه كريمي. تُنزع النوى يدوياً، ثم تُعجن طويلاً — أحياناً لمدة ساعة — حتى الحصول على عجينة ناعمة متجانسة.
سرّ أفضل الحرفيين؟ إضافة خيط من زيت الزيتون البكر أثناء العجن، ممّا يمنح الغرس طراوة لا مثيل لها ويمنع العجينة من الجفاف. يضيف البعض أيضاً قرفة مطحونة أو ماء الزهر، حسب التقليد العائلي.
جودة الغرس تحدّد مباشرة جودة المقروض. غرس رديء الجودة — مصنوع من تمور رخيصة أو عجينة صناعية — سيُنتج مقروضاً باهتاً وعجينياً. لهذا السبب في Le Miel d'Or، نُحضّر غرسنا من تمور مختارة من الجنوب الجزائري، مُعالَجة يدوياً وفق الطريقة التقليدية.
السميد: أساس المقروض المثالي
إذا كان الغرس روح المقروض، فإن السميد هو جسده. اختيار السميد وتحضيره خطوتان حاسمتان يُتقنهما حرفيو قسنطينة كما لا يتقنها أحد غيرهم.
يُستخدم السميد الناعم من القمح الصلب (السميد)، لا الدقيق أبداً. يُخلط السميد أولاً مع الزبدة المذابة (أو السمن — الزبدة المصفّاة التقليدية) ويُعمل بأطراف الأصابع حتى تُغلَّف كل حبّة بالمادة الدهنية. هذه تقنية «التزبيد» التي تمنح المقروض المطبوخ قوامه المميز: متماسك لكن ليس قاسياً، مع تفتّت خفيف في الفم.
النسبة حرجة: كثرة الزبدة تجعل العجينة تنهار أثناء الطبخ؛ وقلّتها تجعل المقروض جافاً وغير مستساغ. الحرفيون المتمرّسون يُعدّلون باللمس، يشعرون بقوام السميد بين أصابعهم — معرفة لا تُتعلّم من الكتب.
يُضاف الماء تدريجياً جداً، بالقدر الكافي لربط العجينة فحسب. بعض الحرفيين يستبدلون جزءاً من الماء بـعصير البرتقال الطازج، الذي يمنح نكهة حمضيات خفيفة ويساعد على التلوّن الذهبي أثناء الطبخ.
القلي مقابل الفرن: الجدل الكبير
المقروض يُحضَّر تقليدياً مقلياً في الزيت — وهي الطريقة العريقة التي تمنح تلك القشرة الذهبية المقرمشة مع داخل طري ذائب. القلي في حمّام زيت نباتي نظيف بحرارة مضبوطة (170-180 درجة مئوية) هو علامة الحرفيين الأكثر أصالة.
لكن توجّهاً عصرياً يقترح المقروض في الفرن، بنتيجة أخفّ وأقل دسامة، بقوام مختلف — أقرب للبسكويت منه للمقرمش. هذه الطريقة تجذب من يبحثون عن خيار أخفّ قليلاً دون التنازل عن المذاق.
رأينا في Le Miel d'Or؟ كلتا الطريقتين لها مكانها:
- المقروض المقلي هو المرجع للأعياد والمناسبات الخاصة — إنه المقروض في نسخته الأكثر أصالة ومتعة.
- المقروض في الفرن يناسب الاستهلاك اليومي ومن يفضّلون قواماً أكثر جفافاً يُغمس جيداً في الشاي.
السرّ الحقيقي، مهما كانت الطريقة، يبقى التغليف بالشراب. يُسكب ساخناً على المقروض وهو لا يزال دافئاً، فيتغلغل بالقدر الكافي للتحلية دون إغراق. كثرة الشراب تجعل المقروض إسفنجياً؛ وقلّته تحرمه من اللمعان والحلاوة.
التعرّف على المقروض الحرفي الجيد
في مواجهة الإنتاج الصناعي المتزايد، أصبح التمييز بين المقروض الحرفي الحقيقي أمراً ضرورياً. إليكم العلامات الدالّة:
- اللون: المقروض الحرفي له لون ذهبي موحّد، ليس داكناً جداً (علامة إفراط في القلي) ولا شاحباً (علامة نقص في الطبخ).
- اللمعان: التغليف بالشراب يمنح مظهراً لامعاً شهياً. مقروض باهت أو جاف لم يُغلَّف كما ينبغي.
- نسبة السميد إلى الحشوة: عند قطع المقروض نصفين، يجب أن تكون طبقة الغرس بسماكة طبقة السميد. مقروض بحشوة قليلة علامة إنتاج اقتصادي.
- القوام: في الفم، يجب أن يقدّم المقروض قرمشة أولية تليها ذوبان التمر. إن كان طرياً كلياً فقد أُغرق بالشراب. وإن كان قاسياً فالسميد حُضّر بشكل خاطئ.
- المذاق: يجب أن يكون التمر النكهة السائدة، يليه السميد المزبّد والشراب. بدون أي مذاق زيت فاسد أو سكر محترق.
في Le Miel d'Or، كل مقروض يُفحص بصرياً وذوقياً قبل إدراجه في تشكيلاتنا. هذا التزامنا بالجودة الحرفية الأصيلة.

