تراث مشترك وألف تفسير
البقلاوة هي على الأرجح أكثر حلوى سافرت في العالم المتوسطي. وُلدت في المطابخ الإمبراطورية العثمانية، وانتشرت عبر إمبراطورية امتدت من شمال أفريقيا إلى الشام، ومن البلقان إلى القوقاز. لكنها بعيداً عن البقاء جامدة في شكلها الأصلي، أُعيد ابتكارها في كل منطقة، حيث تشرّبت المكونات المحلية والأذواق الإقليمية وخبرة أجيال من الحرفيين.
اليوم، طلب صينية بقلاوة في إسطنبول أو الجزائر أو بيروت يعني اكتشاف ثلاثة عوالم مختلفة. الاسم نفسه يخفي واقعاً مختلفاً جذرياً في الطعم والقوام والتقديم. فهم هذه الاختلافات هو مفتاح تقدير ثراء تراث طهوي تحمله ملايين العائلات بفخر.
في الإمارات، حيث تتقاطع هذه التقاليد في الأسواق والحلويات على حدٍّ سواء، أصبح ممكناً تذوّق كل هذه التنويعات تحت سقف واحد. هذا التنوّع بالذات هو ما نحتفي به في Le Miel d'Or، حيث نقدّم بقلاوة وفيّة لأصولها.
العجينة: الفيلو مقابل الديول
الفرق الأكثر جوهرية بين أنواع البقلاوة يكمن في العجينة نفسها. تستخدم البقلاوة التركية عجينة الفيلو (يوفكا)، التي تُمدّ إلى رقائق رقيقة جداً حتى تصبح شبه شفافة. يرصّ الحلوانجي التركي المحترف بين 30 و40 رقيقة، كل واحدة مدهونة بالسمن، مما يخلق بنية خفيفة هوائية تتفتت عند أدنى لمسة.
أما البقلاوة الجزائرية فتعتمد على الديول — رقائق عجينة أكثر سماكة وتورُّقاً بشكل ملحوظ. النتيجة قوام أكثر صلابة، مقرمش من الخارج وطري من الداخل. فبينما النسخة التركية تمرين في الدقة شبه الجراحية، تلعب النسخة الجزائرية على التباين بين طبقات الفيياتاج السخية وحلاوة الشراب.
تقع البقلاوة اللبنانية في المنتصف، حيث تستخدم فيلو رقيقاً لكن بطبقات أكثر عدداً، وغالباً ما تُنقع في سمن بلدي (سمنة) عطري بشكل خاص. النتيجة حلوى مقرمشة ودسمة في آن، مع عمق مميز من نكهة الزبدة.
تعكس هذه المقاربات الثلاث للعجينة فلسفات طهوية مختلفة: الدقة التركية، والكرم الجزائري، وترف الشام.
المكسرات: الفستق أم اللوز أم الجوز
إذا كانت العجينة جسد البقلاوة، فإن الحشوة هي روحها. وهنا بالذات تتباين التقاليد بشكل أوضح.
بقلاوة غازي عنتاب التركية — التي تُعتبر المرجع الأعلى — لا تنفصل عن الفستق الحلبي. تُنتج منطقة غازي عنتاب في جنوب شرق تركيا فستقاً بلون أخضر كثيف ونكهة لا مثيل لها. يُفرم ناعماً ويُوزّع في طبقات سخية بين رقائق الفيلو. بعض الأصناف التركية مثل "فستقلي بقلاوة" تحتوي حتى 50% فستق من الوزن.
تُفضّل البقلاوة الجزائرية اللوز، وأحياناً يُمزج بالكاجو أو البندق. يُجرش اللوز جرشاً خشناً — لا يُطحن أبداً — للحفاظ على تلك القرمشة المميزة. في منطقة تلمسان، يُستخدم الجوز تقليدياً، مما يضيف بُعداً ترابياً أكثر كثافة.
تلعب البقلاوة اللبنانية على التنوع: الفستق والكاجو ومزيج المكسرات كلها شائعة. أما النسخة السورية فغالباً ما يهيمن عليها الجوز، مما يخلق نكهة أكثر مرارة وتعقيداً.
- التركية: فستق مفروم ناعماً، نكهة خضراء زاهية ورقيقة
- الجزائرية: لوز مجروش خشناً، أحياناً جوز، نكهة حلوة ومقرمشة
- اللبنانية/السورية: مزيج متنوع، غالباً جوز أو كاجو، نكهة غنية ومعقّدة
الشراب: العسل والسكر وماء الورد
الشراب هو العنصر الرابط بين العجينة والحشوة، وهو غالباً ما يحدد الطابع النهائي للبقلاوة.
يستخدم التقليد التركي شراب سكر بسيطاً (شربات)، معطّراً بالليمون وأحياناً بماء الورد. المفتاح هو الاعتدال: يُسكب الشراب بارداً على البقلاوة الساخنة (على عكس الطريقة الجزائرية)، مما يسمح بامتصاص أكثر تحكماً. النتيجة حلوى حلوة لكنها لا تُثقل أبداً، حيث تبقى نكهة الفستق هي المهيمنة.
في الجزائر، يكون الشراب عادةً مزيجاً من السكر والعسل، معطّراً بماء الزهر — المكون الأيقوني في حلويات المغرب العربي. يُسكب الشراب ساخناً على البقلاوة الساخنة، مما يخلق صدمة حرارية تفرض تغلغلاً عميقاً. تُنتج هذه الطريقة بقلاوة أكثر تشبعاً وذوباناً في الفم، مع عطور زهرية واضحة.
تتميز البقلاوة اللبنانية باستخدامها السخي لـماء الورد وماء الزهر في الشراب، مما يخلق عطراً زهرياً كثيفاً. بعض الوصفات اللبنانية التقليدية تدمج العسل الصافي، في إشارة إلى أقدم أصول هذه الحلوى.
كل مقاربة للشراب تروي قصة أرض: حمضيات تركيا، وأزهار البرتقال المغاربية، وورود سهل البقاع اللبناني.
فن الشكل: المعيّنات والمربعات واللفائف
الشكل الذي تُقطع به البقلاوة ليس جمالياً فحسب — بل يؤثر على نسبة العجينة إلى الحشوة، وبالتالي على التجربة في الفم.
تُقطع البقلاوة التركية الكلاسيكية على شكل معيّنات (باكلاوة كسيمي)، نمط هندسي دقيق يُكثّر عدد القطع في كل صينية. أصناف مثل "بورما" تُلفّ في أسطوانات محكمة حول حشوة الفستق، مما يخلق لفائف خضراء مذهلة. أما "شوبييت" فيأخذ شكل مثلثات منفوخة محشوة بالقشطة.
تتبنى البقلاوة الجزائرية تقليدياً القطع على شكل مربعات أو معيّنات، لكن بحجم أسخى من نظيراتها التركية. كل قطعة صرح صغير من المعجنات الذهبية المورّقة، وغالباً ما تُزيَّن بحبة لوز كاملة أو نصف جوزة.
البقلاوة اللبنانية تستكشف أشكالاً أكثر تنوعاً: "الأصابع" لفائف رقيقة مقرمشة، و"عش البلبل" يُلفّ في أعشاش دائرية مزيّنة بالفستق، و"القرابيج" قباب صغيرة محشوّة. هذا التنوع في الأشكال يحوّل الصينية اللبنانية إلى عرض بصري حقيقي.
في Le Miel d'Or، نؤلّف تشكيلاتنا بمزج هذه الأشكال والأصول، لنقدّم لعملائنا في الإمارات خارطة عالمية حقيقية للبقلاوة في صينية واحدة.

